بقلم إيلا هيندرمان، متدرّبة في مركز النهضة الإستراتيجي
بعد ثماني سنوات من المفاوضات بين الدول الأوروبية، اعتمد الاتحاد الأوروبي في عام 2024 “النظام الأوروبي المشترك للجوء” (CEAS)، على أن يبدأ تطبيقه في جميع الدول الأعضاء بحلول صيف 2026. ويهدف هذا النظام، من خلال استبدال القواعد السابقة وإرساء إجراءات موحّدة، إلى الحد من الهجرة غير النظامية، وتقليص التنقلات الثانوية داخل الاتحاد، وتسريع البتّ في طلبات اللجوء. وبذلك، يشكّل هذا الإصلاح تحوّلاً جوهرياً في منظومة اللجوء الأوروبية، مع انعكاسات مباشرة على مجتمعات المهاجرين داخل أوروبا وخارجها.
الآثار القانونية
يتكوّن الاتفاق من عشر لوائح أوروبية، تشمل آليات جديدة لإدارة الهجرة وتعزيز جمع البيانات عبر قاعدة EURODAC. ويتمثّل جوهر الإصلاح في إحداث نقلة نوعية في كيفية معالجة طلبات اللجوء، إذ يُكرّس اعتماد إجراءات سريعة على الحدود، بما ينقل مركز ثقل إجراءات اللجوء تدريجياً من داخل أراضي الاتحاد إلى حدوده الخارجية.
وعند الوصول إلى هذه الحدود، يُلزم كل من يدخل دون تصريح بالخضوع لإجراءات فحص أولي، تتضمن جمع بيانات تتعلق بالهوية، والحالة الصحية، والجوانب الأمنية، إضافة إلى أخذ البصمات. وخلال هذه المرحلة، قد يُحتجز المتقدمون في مراكز استقبال حدودية ريثما تُحدَّد الجهة التي ستُعالج طلباتهم، سواء ضمن مسار اللجوء أو ضمن إجراءات الإعادة.
وفي حال إحالة المتقدم إلى إجراءات الإعادة، قد يُبلَّغ بذلك عبر “نموذج إحاطة” لا يرقى إلى مستوى القرار الإداري الرسمي، ومن ثم لا يكون قابلاً للطعن القضائي، حتى وإن كان الشخص معرّضاً لمخاطر في بلد الإعادة. ويرى منتقدون أن هذا التوجه يمثّل خروجاً عن روح اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين، التي تقوم على فحص كل طلب بصورة فردية.
في المقابل، يُرسّخ النظام الجديد مقاربة أقرب إلى الإدارة الجماعية للطلبات، من خلال تصنيفها وفق معايير إحصائية، بما قد يحدّ من مراعاة الظروف الفردية على النحو الكافي. كما تظلّ الضمانات القانونية محدودة خلال هذه الإجراءات، إذ يقتصر الأمر على إتاحة المشورة القانونية دون توفير تمثيل قانوني فعلي.
وعلاوة على ذلك، يُعدّ الأشخاص المحتجزون في مراكز الحدود، من الناحية القانونية، كأنهم لم يدخلوا أراضي الاتحاد الأوروبي، رغم وجودهم الفعلي عليها. ويُعرف هذا الإطار القانوني بـ“افتراض عدم الدخول”، وهو يثير إشكاليات عميقة تتصل بحقوق الإنسان، وضمانات الإجراءات، وحرية طالبي اللجوء.
من النظرية إلى التطبيق: الحالة اليونانية
تثير التداعيات القانونية للإصلاح تساؤلات جدية بشأن احترام معايير حقوق الإنسان وحماية المهاجرين. وقد أظهرت التجربة اليونانية، لا سيما في جزر بحر إيجة الشرقية، آثار تطبيق إجراءات الحدود على جودة قرارات اللجوء، حيث سبق العمل بهذه الآليات قبل اعتماد النظام الجديد.
وغالباً ما يؤدّي احتجاز اللاجئين في هذه المراكز إلى عزلهم عن الخدمات الأساسية، نظراً لمواقعها النائية، والإجراءات الأمنية المشددة، وصعوبة الوصول إلى الدعم القانوني اللازم لفهم المسارات المعقدة لإجراءات اللجوء. كما وثّقت تقارير ظروفاً معيشية قاسية، شملت ضعف البنية التحتية الصحية، ومحدودية الوصول إلى الغذاء ومواد النظافة، وغياب الخصوصية. وقد أثارت هذه الأوضاع مخاوف جدية بشأن مدى الامتثال لمعايير الاستقبال المنصوص عليها.
ومن المرجّح أن يؤدي تطبيق الإصلاح إلى زيادة أعداد المقيمين في هذه المراكز، إذ ينص على إنشاء مرافق حدودية بطاقة استيعابية أولية تُقدّر بنحو 30 ألف شخص، مع إمكانية التوسّع إلى 120 ألفاً في المستقبل.
إدارة جماعية للهجرة
لا يزال البحر الأبيض المتوسط أحد أبرز مسارات الهجرة نحو أوروبا، حيث تصل أعداد كبيرة من اللاجئين إلى دول المواجهة مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا. ونتيجة لذلك، تتحمّل بعض الدول أعباءً أكبر بحكم موقعها الجغرافي، في حين تستقطب دول أخرى المهاجرين بفعل الفرص الاقتصادية أو وجود شبكات اجتماعية قائمة.
وفي هذا السياق، يقدّم الإصلاح آلية ترمي إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن في تقاسم المسؤوليات بين الدول الأعضاء. ومن خلال نظام “التضامن المرن”، تُمنح الدول حرية اختيار طبيعة مساهمتها، سواء عبر استقبال طالبي اللجوء أو تقديم دعم مالي.
غير أن هذه المساهمات المالية لا تُوجَّه بالضرورة إلى حماية اللاجئين، بل يمكن توظيفها في تعزيز إدارة الحدود، بما يشمل الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير تقنيات المراقبة، أو دعم التعاون مع دول العبور على طول مسارات الهجرة، ولا سيما في منطقة البحر المتوسط.
تعزيز التعاون مع الدول الثالثة “الآمنة”
إلى جانب إعادة توزيع المسؤوليات داخلياً، يوسّع الإصلاح نطاق التعاون مع الدول الثالثة في إدارة الهجرة. وقد شمل ذلك توسيع معايير اعتبار الدول “آمنة”، بحيث لم يعد شرط التصديق على اتفاقية جنيف لعام 1951 قائماً، بل يكفي أن توفّر ما يُعرف بـ“حماية فعّالة”.
كما يمكن اعتبار الدول التي تربطها اتفاقيات إعادة قبول مع الاتحاد الأوروبي دولاً آمنة. وبموجب هذه التعديلات، قد تُرفض طلبات اللجوء دون النظر في مضمونها إذا اعتُبر أن المتقدم يستطيع الحصول على الحماية في دولة ثالثة.
وتوجّه منظمات حقوقية انتقادات حادة لهذا النهج، محذّرة من أنه قد يفضي إلى تنصّل الدول الأوروبية من التزاماتها، ونقل عبء الحماية إلى أطراف خارجية، خصوصاً في دول شمال إفريقيا والمناطق المجاورة.
آفاق مستقبلية
يمثّل إصلاح النظام الأوروبي المشترك للجوء تحوّلاً لافتاً في حوكمة الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، من خلال تركيزه على تسريع الإجراءات الحدودية، وتعزيز تقاسم المسؤوليات، وتوسيع نطاق التعاون مع الدول الثالثة.
ورغم أن تسريع البتّ في الطلبات قد يسهم في تقليص فترات الانتظار، فإن تساؤلات جوهرية لا تزال قائمة بشأن معايير الإجراءات وضمانات الحماية القانونية.
وتظلّ الهجرة ظاهرة إنسانية متجذّرة، يُرجّح أن تتفاقم في السنوات المقبلة بفعل النزاعات، وتداعيات التغير المناخي، واستمرار اختلال توزيع الموارد والفرص. وفي هذا الإطار، يبقى الالتزام بحقوق الإنسان، وحماية اللاجئين، واحترام الاتفاقيات الدولية، وفي مقدّمتها اتفاقية جنيف، أمراً لا غنى عنه بوصفه مرجعية أساسية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة مستمرة لسياسات الهجرة، بما يضمن توسيع المسارات الآمنة والقانونية للحماية، وإرساء إجراءات لجوء عادلة وميسّرة، وتعزيز نظم استقبال قادرة على الاستجابة لواقع الأفراد أثناء تنقّلهم.