بقلم: جوليا زورزو
مسؤولة الاتصال والتنسيق بين مبادرة شرق الاوسط وشمال افريقيا وأوروبا)
عمّان | روما
لطالما كانت أوروبا وجهة للمهاجرين على مدى عقود، لكنها واجهت صعوبات مستمرة في إدارة تدفقات الهجرة، والأهم من ذلك، في إدماج الوافدين في مجتمعاتها. ومنذ ما سُمّي «أزمة اللاجئين» عام 2015، حاولت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مراراً، وبنجاح محدود، تجديد سياساتها المشتركة بشأن الهجرة. وقد أفضت هذه الجهود إلى إقرار الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء، الذي بدأ تطبيقه رسمياً في جميع الدول الأعضاء في حزيران/يونيو 2026. وقد قدّمته المفوضية الأوروبية بوصفه حلاً مشتركاً يتسم «بالفعالية والإنصاف والحزم»، ويجمع بين تشديد الرقابة على الحدود الخارجية، وتعزيز التضامن بين الدول الأعضاء، وتسريع إجراءات اللجوء وإعادة المهاجرين.
يعكس هذا الميثاق توجهاً أوروبياً أوسع نحو التعامل مع الهجرة من منظور أمني، في ظل صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية وتزايد الضغوط السياسية التي تمارسها. فقد أتاحت سنوات من انعدام الأمن الاقتصادي، وتراجع المشاركة السياسية، وضعف الثقة بالمؤسسات، للأحزاب اليمينية استثمار مشاعر الغضب الشعبي، وغالباً ما حمّلت الفئات المهمشة مسؤولية المشكلات الاجتماعية.
وباتت المواقف المناهضة للهجرة تحتل مساحة متزايدة في النقاش العام، مدفوعة بخطاب سياسي شعبوي يؤجج المخاوف المرتبطة بالهوية، ويصوّر الهجرة غير النظامية وأمن الحدود باعتبارهما من أبرز التحديات التي تواجه أوروبا. وقد أظهرت نتائج الانتخابات في إيطاليا وألمانيا وفرنسا والسويد ودول أخرى نجاح هذه الاستراتيجية، في وقت أخذت فيه الأحزاب السياسية التقليدية تتبنى بدورها سياسات أكثر تقييداً، سعياً إلى الاستجابة لمخاوف الناخبين.
وفي هذا السياق السياسي، ينبغي قراءة المرسوم الإيطالي الأخير المتعلق بالتعليم. فقد أُقرّ في أيلول/سبتمبر 2026، وقُدّم للرأي العام باعتباره إجراءً يحدد سقفاً بنسبة 30% للطلاب الأجانب في الصفوف الدراسية، إلى جانب حظر النقاب والبرقع. وكما كان متوقعاً، أثار المرسوم اهتماماً واسعاً داخل إيطاليا وخارجها.
ووصف منتقدوه بأنه خطوة دعائية تستهدف استمالة الناخبين اليمينيين المتطرفين قبيل الانتخابات العامة لعام 2027. لكن هذا التفسير يثير بحد ذاته إشكالية أعمق؛ فعندما تراهن حكومة على كسب التأييد الشعبي من خلال إجراءات تستبعد أقلية معينة، حتى وإن قُدّمت بلغة معتدلة تحت شعار تعزيز الاندماج، فإن ذلك يكشف حجم الاستقطاب السياسي، ويشير إلى وجود شريحة من الناخبين تكافئ الخطابات والممارسات الإقصائية.
ماذا يتضمن المرسوم؟
لا يقتصر المرسوم الإيطالي على الإجراءات التي حظيت بالتغطية الإعلامية الأوسع، بل يشمل أيضاً إدخال مواد دراسية جديدة، وإجراء تعديلات على المؤهلات والشهادات الثانوية، وتوفير دروس مجانية في اللغة الإيطالية لأولياء أمور الطلاب الأجانب.
أما فيما يتعلق بسقف الـ30%، فلا يستهدف المرسوم الطلاب الأجانب لمجرد كونهم أجانب، بل يعتمد على معيارين هما الكفاءة اللغوية ومدة الالتحاق بالنظام التعليمي الإيطالي. ووفقاً لما أعلنه وزير التعليم الإيطالي جوزيبي فالديتارا، يُعد هذان المعياران «أساسيين لضمان الاندماج والمشاركة الفاعلة في الصفوف الدراسية».
وبصورة أكثر تحديداً، ينطبق الإجراء في المرحلة الابتدائية على الأطفال الذين لا يحملون الجنسية الإيطالية، ولم يولدوا في إيطاليا، ولم يلتحقوا بالتعليم قبل المدرسي لمدة سنتين على الأقل. أما في المرحلة الثانوية، فيشمل الطلاب غير الإيطاليين الذين لم يكملوا ثلاث سنوات دراسية على الأقل في إيطاليا.
وليست فكرة اعتبار اللغة مدخلاً أساسياً للاندماج جديدة في أوروبا. ففي فرنسا وألمانيا، توجد صفوف استقبال مخصصة للطلاب الوافدين حديثاً، تُعرف في فرنسا باسم (UPE2A)، وفي ألمانيا باسم (Willkommensklassen)، حيث يتلقى الطلاب تعليماً لغوياً مكثفاً قبل انضمامهم الكامل إلى الصفوف الاعتيادية.
أما هولندا، فتعتمد نهجاً يقوم على تخصيص التمويل للمدارس وفقاً لاحتياجات الطلاب. وتحصل المدارس التي تضم أعداداً كبيرة من الطلاب الذين يحتاجون إلى دعم في اللغة الهولندية على موارد إضافية لتوفير التعليم اللغوي والدروس المساندة وبرامج الإدماج.
وتُعد الدنمارك الأقرب إلى النهج الإيطالي؛ فعندما تتجاوز نسبة الطلاب المحتاجين إلى دعم لغوي حداً معيناً داخل المدرسة، يُنقل بعضهم إلى مدارس تضم نسبة أعلى من الطلاب الناطقين بالدنماركية.
في المقابل، تقدم النمسا تجربة تستدعي الحذر، إذ أسهمت الصفوف المنفصلة المخصصة لدعم تعلم اللغة الألمانية في تكريس أشكال من التمييز المؤسسي، وأدت إلى تأخر تعليمي ملحوظ لدى بعض الطلاب الملتحقين بها.
وتوضح هذه التجارب أن السؤال الأساسي لا يتعلق بمدى ضرورة الدعم اللغوي، بل بكيفية تقديمه. فالسياسات التي تعالج الحواجز اللغوية يمكن أن تعزز الاندماج، وتوفر للطلاب الوافدين حديثاً الأدوات اللازمة للمشاركة في التعليم على قدم المساواة مع أقرانهم. لكنها قد تتحول في المقابل إلى عائق جديد عندما تصبح المهارات اللغوية أساساً لفصل الأطفال عن زملائهم.
ومع ذلك، يبدو أن الإجراء الذي أثار ردود الفعل الأكثر حدة هو حظر النقاب والبرقع، ويرجع ذلك جزئياً إلى الخلط بين المصطلحات. فقد اعتقد كثيرون أن الحظر يشمل «الحجاب»، أي غطاء الرأس الذي ترتديه فتيات ونساء مسلمات في المدارس والحياة اليومية. أما النقاب والبرقع، فهما من أشكال اللباس الإسلامي التقليدي التي تغطي الوجه، مع اختلاف في طريقة تغطيته.
وتوجد بالفعل قيود مماثلة على تغطية الوجه في الأماكن العامة في عدد من الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وبلجيكا والنمسا وغيرها. وعادة ما يبرر مؤيدو هذه الإجراءات موقفهم باعتبارات الأمن والتحقق من الهوية والنظام العام والمساواة بين النساء والرجال.
في المقابل، تثير القيود المفروضة على اللباس الديني تساؤلات تتعلق بحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، فضلاً عن خطر تأثيرها بصورة غير متكافئة على النساء المسلمات.
الإطار القانوني الأوروبي لمكافحة التمييز
على الرغم من أن التعليم يظل من اختصاص الدول الأعضاء، فإن المرسوم الإيطالي لا يُعفى من الرقابة القانونية في إطار التشريعات الأوروبية. فالإجراءات الوطنية المتعلقة بالمهاجرين والأقليات يجب أن تتوافق مع المعايير الأوروبية والدولية لحقوق الإنسان.
وتحظر معاهدات الاتحاد الأوروبي التمييز على أساس الجنسية، فيما يكفل ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي الحق في التعليم.
إضافة إلى ذلك، تقرّ خطة عمل الاتحاد الأوروبي بشأن الاندماج والإدماج للفترة 2021–2027 بمخاطر التمييز وعدم المساواة في التعليم، وتشجع على اعتماد تدابير للحد منها، بما في ذلك دعم تعلم اللغة. غير أن هذه الخطة تندرج ضمن أدوات القانون غير الملزم، ما يعني أنها تحدد توجهاً سياسياً مشتركاً دون أن تفرض على الدول التزامات قانونية مباشرة بتنفيذ ما تتضمنه من توصيات.
وعليه، تتمتع الدول الأوروبية بهامش واسع في اختيار التدابير التي تراها مناسبة، لكن ضمن حدود القانون. وفي الواقع، يتحدد الخط الفاصل بين السياسة اللغوية المشروعة والممارسة التمييزية غالباً من خلال التفاصيل المتعلقة بصياغة القواعد وتطبيقها.
فقد تبدو بعض القواعد محايدة من حيث الصياغة، ولا تشير صراحة إلى الجنسية، لكنها قد تؤدي عملياً إلى نتائج تمييزية إذا وقع أثرها بصورة غير متناسبة على الأشخاص من أصول أجنبية.
الخاتمة
بعيداً عن الخطابات الدعائية والسجالات السياسية، تؤثر هذه الإجراءات بصورة مباشرة على حياة أشخاص يعيش كثير منهم أصلاً في ظروف هشة، ولم يتمكنوا من الاندماج الكامل في مجتمعاتهم، ليس نتيجة خيار شخصي، بل بسبب الحواجز التي تعترض مشاركتهم.
وفي إيطاليا وأوروبا عموماً، حيث أصبحت الهجرة سمة أساسية من سمات الواقع الاجتماعي، يظل الاندماج عنصراً محورياً في بناء مجتمعات متماسكة تقوم على روابط اجتماعية قوية.
ولا شك أن إتقان لغة البلد الذي يعيش فيه الإنسان يمثل أساساً مهماً لهذا الاندماج. لكن الاندماج الحقيقي لا يمكن فرضه بالغرامات والمحظورات.
فالمهاجرون وطالبو اللجوء واللاجئون بحاجة إلى فرص فعلية للمشاركة في المجتمعات التي يعيشون فيها، من خلال التعليم والعمل وإتاحة الوصول إلى الحياة الاجتماعية والسياسية.
إن تمكينهم من الإسهام في المجتمعات المستضيفة لا يمثل مصلحة لهم وحدهم، بل يشكل أيضاً عاملاً حاسماً في تعزيز التماسك الاجتماعي وضمان ازدهار أوروبا واستقرارها على المدى الطويل.
المراجع
- Awaken Nomad. (7 آذار/مارس 2025). أسطورة «أفضل نظام تعليمي» في الدنمارك وواقع الأطفال متعددي اللغات. Medium. الرابط
- De Leo, C. (24 أيلول/سبتمبر 2026). القواعد الإيطالية الجديدة للتعليم. Corriere della Sera. الرابط
- EUR-Lex. معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، المادة 18. الرابط
- EUR-Lex. ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي. الرابط
- المفوضية الأوروبية. (2020). خطة العمل بشأن الاندماج والإدماج 2021–2027. الرابط
- المفوضية الأوروبية. (21 أيار/مايو 2024). ميثاق الهجرة واللجوء. الرابط
- France 24. (26 أيلول/سبتمبر 2026). صفوف اللغة المنفصلة في النمسا. الرابط
- الحكومة الهولندية. (27 تشرين الأول/أكتوبر 2014). معالجة الحرمان التعليمي في المدارس الثانوية. الرابط
- وزارة التربية الوطنية الفرنسية. التدريس في الوحدات التعليمية للطلاب الوافدين (UPE2A). الرابط
- الجمهورية الإيطالية. (30 أيلول/سبتمبر 2026). الجريدة الرسمية الإيطالية. الرابط
- Roehse, S., & Varma, T. (24 تشرين الأول/أكتوبر 2024). فهم التحول الأوروبي في سياسات الهجرة. Brookings. الرابط
- Ruffino, G., & Carvalho, J. M. (20 آب/أغسطس 2026). حظر أغطية الوجه الكاملة في أوروبا. Euronews. الرابط
- Santos, A. P. (19 حزيران/يونيو 2026). آمال ومخاوف تنفيذ ميثاق الهجرة الأوروبي. InfoMigrants. الرابط
14. إدارة التعليم والشباب والأسرة في برلين. صفوف الاستقبال للاجئين والمهاجرين. الرابط