بقلم أبيغيل هاربر، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي
في العقود الأخيرة، أصبحت الهجرة القضية السياسية الأساسية. وغالباً ما تنبع المخاوف المرتبطة بالهجرة من تصوّرات عن فشل الاندماج الثقافي، ومن الآثار الاقتصادية على فرص العمل والسكن والموارد الاجتماعية. وفي مختلف أنحاء أوروبا، تدفع الحكومات باتجاه سياسات أكثر قسوة استجابةً لهذه المخاوف، في محاولةٍ لاسترضاء ناخبيها عبر الظهور بمظهر المتشدد في قضايا الهجرة. كما باتت أحزاب الوسط، من اليسار واليمين، تستخدم بصورة متزايدة لغةً ارتبطت تقليدياً باليمين المتطرف، في محاولةٍ لإقناع الناخبين بأنها تُحسن إدارة هذا الملف.
في هذا المناخ العدائي، اتخذت حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي الإسباني بيدرو سانشيز نهجاً مختلفاً جذرياً. ففي يناير/كانون الثاني، أُعلن عن سياسة جديدة ستقوم بتسوية أوضاع الرعايا الأجانب الذين لا يملكون سجلاً جنائياً ويمكنهم إثبات أنهم أقاموا في إسبانيا لمدة لا تقل عن خمسة أشهر قبل 31 ديسمبر/كانون الأول 2025. وستمنح هذه الإجراءات المستفيدين تصريح إقامة أولياً لمدة عام واحد، يمكن تمديده لاحقاً، ومن المتوقع أن يستفيد منها ما لا يقل عن 500,000 شخص. وجاء هذا الإعلان في إطار تنفيذ نموذج هجرة جديد يقوم على الاندماج والتعايش، ويتوافق مع النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.
ولا يمكن أن يكون التباين مع بقية أوروبا أكثر وضوحاً. ففي مايو/أيار 2025، قادت إيطاليا والدنمارك ائتلافاً من تسع دول في الاتحاد الأوروبي، من بينها بولندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وبلجيكا وجمهورية التشيك، للتوقيع على رسالة مفتوحة موجّهة إلى مجلس أوروبا، تطالب بإطلاق نقاش جديد حول كيفية تطبيق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا سيما فيما يتعلق بالهجرة.
وعقب ذلك، أطلقت المملكة المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، خطة جديدة لإعادة هيكلة نموذجها للهجرة، استناداً إلى النظام الذي تم تطبيقه في الدنمارك، وهي دولة تُعد الآن رائدة في سياسات الهجرة التقييدية في أوروبا، وفقاً لماري ساندبرغ، مديرة مركز الدراسات المتقدمة للهجرة (AMIS). وتتيح السياسات القياسية للسلطات مصادرة مجوهرات طالبي اللجوء وغيرها من الأشياء الثمينة، بقصدٍ متعمد يتمثل في خلق بيئة عدائية للمهاجرين المحتملين. وقد أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية شابانا محمود عن الخطة القاسية لإعادة هيكلة نموذج الهجرة، والتي تهدف إلى مكافحة الهجرة غير النظامية وإعطاء الأولوية للمهاجرين الذين يساهمون في الاقتصاد ويلتزمون بالقواعد. وسيتم مضاعفة فترة التأهل للحصول على الإقامة الدائمة إلى عشر سنوات، بينما سيُخضع العمال ذوو الأجور المنخفضة، مثل 616,000 شخص ومعاليهم ممن قدموا عبر تأشيرات الرعاية الصحية والاجتماعية بين عامي 2022 و2024 ، إلى حدٍ أدنى يبلغ خمس عشرة سنة. أما المهاجرون الذين يعتمدون على الإعانات فسيواجهون انتظاراً لمدة عشرين سنة للحصول على الإقامة الدائمة، أي أربعة أضعاف المدة الحالية وأطول فترة في أوروبا، في حين سيُطلب من المهاجرين غير النظاميين ومخالفي شروط التأشيرة الانتظار حتى ثلاثين سنة للحصول على التسوية. وستجعل هذه الإصلاحات نظام التسوية في بريطانيا الأكثر ضبطاً وانتقائيةً في أوروبا بفارق كبير.
وفي أماكن أخرى، اعترفت ألمانيا بالحاجة الملحّة للهجرة في ظل مواجهتها نقصاً مستمراً في العمالة الماهرة عبر قطاعات متعددة. ورغم ذلك، شددت القواعد المتعلقة بحق البقاء لبعض فئات اللاجئين، وربطت ذلك بشكلٍ أوثق بـالاندماج الناجح والعمل. وفي مايو/أيار 2025، أمر وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت بتشديد الرقابة على الحدود وأجاز عمليات الإرجاع القسري لطالبي اللجوء على الحدود. كما دعا إلى سياسة لجوء أوروبية أكثر صرامة وتشددًا، وهو توجه يؤكد انعطافاً أكثر تقييداً في سياسات الهجرة الألمانية. ويأتي عامل ردع إضافي من حقيقة أن الأفراد الذين يحملون صفة حماية في ألمانيا يفقدون هذا الحق إذا سافروا لزيارة بلدهم الأصلي، ما يمنع اللاجئين من تفقد ممتلكاتهم أو زيارة أسرهم هناك. ويُظهر نموذج الهجرة الألماني الناشئ خطاً فاصلاً واضحاً: إذ يتم استقطاب العمال المهرة بشكل نشط، بينما يخضع اللاجئون الأكثر هشاشة الموجودون بالفعل داخل البلاد لتدقيق أشد فيما يتعلق بحقهم في البقاء.
تهدف سياسات متشددة كهذه إلى السيطرة أو الردع، لكنها غالباً ما تستبدل المكاسب الشكلية قصيرة الأجل بتكاليف اقتصادية واجتماعية وأخلاقية طويلة الأمد. وقد ثبت أنها تؤدي إلى تفكك الأسر، وتقليص الوصول إلى الخدمات الأساسية، وزيادة الخوف داخل المجتمعات المتأثرة. كما أنها تُنتج آثاراً اقتصادية سلبية، وتُقوض السلامة العامة عبر تآكل الثقة بالمؤسسات، وتُسهم في الاستقطاب الاجتماعي. الهجرة قضية هامة بالفعل. وهذه حقيقة. سيكون من السذاجة توقع أن تتجاهل الحكومات الأوروبية المشكلة، لا سيما مع تصاعد صوت الفاعلين من اليمين المتطرف، لكن ربما يوفر نهج إسبانيا نموذجاً أكثر فاعلية من الخطط غير الإنسانية التي تركز على التقييد والإقصاء.
لا شك أن الموقف الإسباني فريد. فإسبانيا، بوصفها الدولة الأوروبية الأقرب إلى شمال أفريقيا، وإحدى الدول التي تشترك في حدود برية، لديها مصلحة ذاتية في تنمية القارة ورفاهها. وينعكس هذا الموقع في التركيز الإيجابي المميز على أهمية المهاجرين للاقتصاد الإسباني. وتُعد الهجرة ضرورية لأنها تسد فجوات سوق العمل وتواجه آثار شيخوخة السكان التي قد تهدد أنظمة التقاعد ودولة الرفاه. ويقول خافيير دياز-خيمينيز، أستاذ الاقتصاد في كلية IESE لإدارة الأعمال وخبير في أنظمة التقاعد، إن طفرة المواليد التي استمرت من منتصف الخمسينيات حتى أواخر السبعينيات خلقت جيلاً من الإسبان يقتربون من سن التقاعد، بينما يعني انهيار المواليد الذي تلا ذلك عدم وجود عدد كافٍ من العمال لتعويضهم. وقد أشار تقرير للبنك المركزي الإسباني نُشر في أبريل/نيسان 2024 إلى أن البلاد ستحتاج إلى نحو خمسةٍ وعشرين مليون عامل جديد خلال الثلاثين عاماً المقبلة.
وبدلاً من إجبار المهاجرين على البقاء بلا عمل خلال إجراءات تقديم الطلبات الطويلة، يُسمح لطالبي اللجوء في إسبانيا بالعمل بعد ستة أشهر من وصولهم إلى البلاد. ويعمل كثير من الأفارقة في إنتاج الفواكه والخضروات، وهو قطاع بالغ الأهمية للاقتصاد الإسباني، كما يُعد العمل خطوة محورية في عملية الاندماج. وقالت إيريني مونتيرو، من حزب بوديموس اليساري المتطرف، ووزيرة سابقة في حكومة ائتلافية مع الاشتراكيين: منح الحقوق هو الجواب على العنصرية.
وتقول دولوريس كويرو، من مؤسسة سان خوان دي ديوس، وهي المنظمة غير الحكومية التي تدير مركز المهاجرين في فيلاكويلامبره: قبل حصولهم على تصريح البدء بالعمل، نولي اهتماماً كبيراً لتعلمهم اللغة الإسبانية، إضافة إلى تقديم دورات تدريبية وحصص حول تجنب المخاطر. وتضيف: وعندما يقترب موعد تمكنهم من بدء العمل، نتواصل مع شركات مختلفة، وهي تتواصل معنا أيضاً، ونبدأ بالبحث لهم عن وظائف. وقالت وزيرة الهجرة إلما سايز إن المستفيدين من النظام الجديد سيتمكنون من العمل في أي قطاع، وفي أي جزء من البلاد، وأشادت بالأثر الإيجابي للهجرة. وخارج حدودها، تموّل الحكومة الإسبانية برامج تدريب للشباب العاطلين عن العمل في دول مثل السنغال، لا سيما للمهاجرين غير النظاميين الذين أُعيدوا، لمساعدتهم على تطوير سبل عيش جديدة قابلة للاستمرار في بلدانهم. كما وسّعت برنامج الهجرة الدائرية الذي يمنح غرب الأفارقة تأشيرات قصيرة الأمد للقدوم إلى إسبانيا لفترات محدودة من العمل الموسمي، خصوصاً في الزراعة، ثم العودة.
وقد يكون هذا سبب تفوق إسبانيا على الاقتصادات الرئيسية الأخرى في الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، مع تسجيل نمو متوقع يقارب ثلاثة في المئة في عام 2025. كما انخفضت البطالة، وهي نقطة ضعف تاريخية في الاقتصاد الإسباني، إلى أقل من عشرة في المئة للمرة الأولى منذ عام 2008، وفقاً لبيانات صدرت في يناير/كانون الثاني. ورغم أن هذا النجاح الاقتصادي هو نتيجة مجموعة من السياسات، فقد قال سانشيز إن الهجرة شكّلت ثمانين في المئة من النمو الاقتصادي الديناميكي لإسبانيا خلال السنوات الست الماضية، وأسهمت بعشرة في المئة من إيرادات الضمان الاجتماعي، بينما لم تمثل سوى واحد في المئة من الإنفاق.
وعليه، فإن فوائد الهجرة واضحة، لكن ماذا عن الآثار السلبية؟ غالباً ما ينظر الناخبون إلى المهاجرين باعتبارهم عبئاً على اقتصاداتهم، يستحوذون على الوظائف والسكن ومزايا الرعاية الصحية التي كان من الممكن أن تذهب للمواطنين. غير أن هذا التصور غير صحيح إلى حد كبير، ويتم تغذيته من قبل جماعات سياسية من اليمين المتطرف وبعض وسائل الإعلام. وبالنظر إلى المملكة المتحدة، تعرض السير كير ستارمر مؤخراً لانتقادات عندما تحدث، خلال خطاب عن الهجرة، عن خطر تحوّل بلاده إلى جزيرة من الغرباء. إلا أن الدراسات أظهرت وجود أدلة محدودة على تأثير جوهري للهجرة على فرص العمل أو البطالة لدى العمال المولودين في المملكة المتحدة. ومن حيث الأثر الاقتصادي، تشير أبحاث ما قبل بريكست إلى أن المهاجرين إجمالاً، دفعوا في المالية العامة ما يقارب ما حصلوا عليه من خلال استخدام الخدمات العامة. ووجد أحد التحليلات أن العمال المهرة الذين دخلوا المملكة المتحدة في 2022/23 حققوا في المتوسط أثراً إيجابياً صافياً قدره ستة عشر ألفاً وثلاثمئة جنيه إسترليني في ذلك العام.
ينبغي على السياسيين مقاومة نزعة مجاراة أصوات اليمين المتطرف التي تحظى بتمثيل مبالغ فيه، والاعتراف بالفوائد الواضحة لاعتماد مقاربة أكثر تعاطفاً مع قضية الهجرة. إن الفوائد الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية طويلة الأمد المترتبة على إعطاء الأولوية لحقوق الإنسان والاندماج تفوق بكثير الغريزة السياسية قصيرة الأجل التي تدفع إلى رفع الجسور وإغلاق الأبواب. ويتعين على الحكومات الأوروبية إيجاد طريقة لإعطاء الأولوية لسردية التعايش، بما يضمن أن يتمكن مواطنوها من تقدير المزايا العديدة للهجرة العالمية.