الحوكمة المحلية والتعاون بين أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا

بقلم مارغو دو فوي

أبرزت التحولات الأخيرة في ديناميات المجتمع المدني وأنماط الانخراط الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أهمية هياكل الحوكمة المحلية وقدرتها على بناء مجتمعات أكثر شمولًا ومتانة. ويتزايد الاهتمام بتعزيز المؤسسات دون الوطنية بوصفها مكمّلًا لأطر السياسات الوطنية، في ظل التحديات المناخية، وتغيّر بيئات المساعدات الدولية، وتطوّر الحوارات الإقليمية. وتثير هذه الاتجاهات تساؤلات محورية حول كيفية تعاون أوروبا وشركائها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدعم المشاركة المجتمعية وإدارة النزاعات على المستوى المحلي، بما يحترم الفاعلية المحلية ويتجنّب الانطباعات المرتبطة بالفرض الخارجي.

مشهد حوكمي معقّد

لا تزال غالبية حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتمد أنماط حوكمة شديدة المركزية، حيث تتولى السلطات الوطنية القرارات الجوهرية وتدفقات الموارد. ورغم أن المركزية قد توفّر توجّهًا موحّدًا، فإنها كثيرًا ما تُقيّد قدرة المجالس المحلية والبلديات على الاستجابة للاحتياجات الخاصة بالمجتمعات. ففي حين تبقى صناعة القرار الوطنية هي الغالبة في دول مثل مصر والعديد من دول الخليج، سعت إصلاحات في دول أخرى، مثل المغرب وتونس، إلى توسيع صلاحيات المجالس المحلية. أما في السياقات المتأثرة بالعنف أو عدم الاستقرار، مثل ليبيا واليمن وأجزاء من سوريا، فتكون نظم الحوكمة الرسمية ضعيفة أو مجزأة، ما يفضي إلى ترتيبات هجينة تسدّ فيها السلطات غير الرسمية والشبكات المجتمعية الفجوات المؤسسية.

ويُظهر هذا التنوع لماذا تُعدّ مناقشة الحوكمة المحلية آنية وحيوية في آن واحد. فاللامركزية المحلية يمكن أن تعزّز الاستجابة لاحتياجات المجتمع، وتزيد مشاركة المواطنين، وتشكّل أداة لمعالجة النزاعات قبل تفاقمها. وحين تعجز المؤسسات الوطنية عن الحفاظ على الشرعية أو الوصول إلى جميع المكوّنات، قد توفّر الكيانات المحلية المعزّزة بدائل أكثر واقعية للحوار، وحلّ المشكلات، وتقديم الخدمات.

الحوكمة المحلية ضمن الانخراط بين أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تركّز تعاونات أوروبا مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقليديًا على أطر تعاون عالية المستوى، مثل سياسات الجوار ومشروعات تنموية واسعة تشمل التجارة والهجرة والمناخ والأمن. غير أن هذا الانخراط توسّع في السنوات الأخيرة ليشمل دعم بناء القدرات المؤسسية والبرامج على مستوى المجتمع، كما يتجلى في مبادرات دعمت الحوكمة المحلية بالشراكة مع الوزارات والبلديات في عدد من الدول.

وتعكس هذه المشاريع تحوّلًا مهمًا، يتمثل في الانتقال من الاقتصار على نقاشات السياسات الوطنية إلى إشراك الفاعلين البلديين والمجتمعيين المنخرطين مباشرة في الحوكمة على الأرض. وتأتي هذه الجهود ضمن اتجاه أوسع في التعاون الدولي يعترف بالسلطات المحلية والإقليمية بوصفها شركاء استراتيجيين في مواجهة تحديات معقّدة، مثل الصمود المناخي، وتقديم الخدمات العامة، والتماسك الاجتماعي.

وفي الوقت ذاته، يبيّن السياق الإقليمي أن نموذج «حل واحد يناسب الجميع» في نقل نماذج الحوكمة غير قابل للتطبيق ولا مرغوب فيه. فتعقيدات المنطقة، من الملكيات المركزية إلى الدول الهشّة التي تتنازعها السلطات، تستلزم مقاربات نوعية تراعي السياق وتحترم الأعراف المحلية والتاريخ المؤسسي.

المجتمع المدني، وقيادة النساء، وديناميات النزاع

بالتوازي مع إصلاحات الحوكمة، يزداد حضور فاعلي المجتمع المدني في تشكيل مخرجات المجتمعات المحلية، ولا سيما في نقاشات بناء السلام والشمول. وتؤكد الأطر العالمية المعنية بالمرأة والأمن والسلام أهمية المشاركة الشاملة في الوقاية من النزاعات وحلّها، مبيّنة أن اتفاقات السلام وعمليات الحوكمة تكون أكثر استدامة عندما تُدرج أصواتًا متنوّعة.

وفي عام 2025، سعت جهود إقليمية إلى بلورة أطر سياسات أكثر اتساقًا لتنفيذ أجندة المرأة والأمن والسلام عبر الدول العربية، بما يشير إلى اعتراف مؤسسي متنامٍ بأن بناء السلام المحلي ينبغي أن يتكامل مع الدبلوماسية الإقليمية. وفي السياق نفسه، تُظهر مبادرات داعمة للسلام في اليمن كيف يمكن لمشروعات بناء السلام أن تجسر بين الالتزامات الوطنية والانخراط المجتمعي، مؤكدة أن العمل من أجل السلام غالبًا ما يجري خارج المفاوضات الرسمية، ومتجذّرًا في المشاركة اليومية للمواطنين.

وتعكس هذه الاتجاهات حقيقة أوسع، مفادها أن الحوكمة وبناء السلام مترابطان على نحو وثيق. فعمليات الحوكمة المحلية التي تُشرك المجتمع المدني، ولا سيما المجموعات النسوية، توفّر قنوات لحلّ النزاعات والحوار الاجتماعي وصنع القرار الشامل، بما يسهم في الاستقرار طويل الأمد.

دلالات الشراكة بين أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يترتّب على المشهد الحوكمي المتغيّر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عدد من الدلالات بالنسبة لانخراط أوروبا والمجتمع المدني الإقليمي.

فأولًا، يستدعي ذلك تجاوز المقاربات المتمركزة حول الدولة، والاستثمار في الحوكمة متعددة المستويات التي تشمل السلطات الإقليمية والبلدية. فدعم القدرات البلدية والمشاركة المدنية يمكن أن يعزّز الثقة بالمؤسسات ويحسّن تقديم الخدمات، بما يسدّ الفجوات التي تؤدي إلى السخط المجتمعي أو عدم الاستقرار.

ثانيًا، ينبغي أن يكون هذا الانخراط ملائمًا للسياق ومملوكًا محليًا. وعلى الفاعلين الخارجيين تجنّب الأساليب التي قد تُفسَّر على أنها إملائية أو ذات نزعة استعمارية جديدة. وبدلًا من ذلك، يتعيّن العمل بالشراكة مع الجهات المحلية، مع احترام الأعراف الثقافية وآليات اتخاذ القرار القائمة، للتصميم المشترك لدعم الحوكمة بما يكمّل الأهداف الوطنية.

أخيرًا، فإن دعم المجتمع المدني وآليات الحوكمة الشاملة، مثل العدالة الاجتماعية وبناء السلام، يمكن أن يعزّز العقد الاجتماعي الأوسع. فإشراك منظمات النساء، وشبكات الشباب، والمجموعات المجتمعية إلى جانب المؤسسات الرسمية يوفّر رؤى متعدّدة لمعالجة القضايا المجتمعية، ويزيد من مشروعية المخرجات واستدامتها.

توصيات

لترجمة هذه المبادئ إلى ممارسة عملية، يمكن اتباع المسارات التالية:

  • توسيع أطر التعاون متعددة المستويات التي تربط الفاعلين الوطنيين والإقليميين والمحليين حول أولويات مشتركة، مثل التكيّف المناخي، وتقديم الخدمات، ومنع النزاعات.
  • الاستثمار في بناء قدرات السلطات المحلية والمؤسسات البلدية، عبر الدعم الفني وتبادلات النظراء التي تعزّز الكفاءات الإدارية وممارسات الحوكمة.
  • الشراكة مع شبكات المجتمع المدني، بما في ذلك منظمات النساء والحركات القاعدية، لضمان شمول إصلاحات الحوكمة واستجابتها لاحتياجات المجتمع.
  • تشجيع مبادرات بناء السلام المحلية التي تصل بين الفاعلين المؤسسيين والشبكات غير الرسمية، بما يتيح مقاربات أكثر مرونة ومتجذّرة ثقافيًا لحلّ النزاعات.

ومن خلال التركيز على الحوكمة المحلية في صميم الشراكات بين أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وترسيخ هذه الجهود في التعاون لا الفرض، تتاح فرصة حقيقية لا لتعزيز فاعلية الحوكمة فحسب، بل أيضًا للإسهام في بناء مجتمعات أكثر صمودًا وسلمًا في مختلف أنحاء المنطقة.