الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية: اختبار لمدى التزام أوروبا بالعدالة الدولية

مبادرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا للديمقراطية والتنمية (أرض – أوروبا)| تعليق تحليلي

تثير العقوبات الأمريكية الأخيرة المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية سؤالاً جوهرياً بشأن منظومة العدالة الدولية: هل يمكن أن تظل العدالة مستقلة عندما تطال المساءلة دولاً نافذة وحلفاءها؟

يشكّل البيان المشترك الصادر في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026 عن وزراء خارجية ثماني دول، وما تبعه من موقف للاتحاد الأوروبي في 10 تشرين الأول/أكتوبر، تحركاً دبلوماسياً مهماً يؤكد ضرورة احترام استقلال المحكمة. وقد دعا الاتحاد الأوروبي صراحةً إلى التراجع عن العقوبات، وأبدى استعداده لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية قدرة المحكمة على أداء مهامها.

غير أن أبعاد هذه التطورات تتجاوز الخلاف القائم بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

فبالنسبة إلى أوروبا، تمثل هذه القضية *اختباراً لاتساق سياساتها مع المبادئ التي تعلن التزامها بها*. ذلك أن مصداقية دفاعها عن نظام دولي قائم على القواعد والقانون ترتبط بمدى التزامها بتطبيق مبادئ العدالة والمساءلة بصورة متساوية، بما في ذلك في القضايا الحساسة سياسياً، وفي مقدمتها فلسطين وغزة.

*ويكمن التحدي الأساسي في الانتقال من المواقف الدبلوماسية إلى إجراءات مؤسسية ملموسة* تكفل حماية استقلال المحكمة وموظفيها، واستمرار وصولها إلى الخدمات الأساسية، وقدرتها على إجراء التحقيقات وممارسة اختصاصاتها بعيداً عن الضغوط والتدخلات الخارجية.

ومن منظور مبادرة أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، إذ أسهمت التصورات السائدة بشأن ازدواجية المعايير وانتقائية المساءلة، على مدى سنوات، في إضعاف الثقة بالمؤسسات الدولية لدى قطاعات واسعة من مجتمعات المنطقة العربية والمتوسطية. ومن ثم، فإن اتساق الموقف الأوروبي تجاه العدالة الدولية لا يرتبط بمصداقية المحكمة الجنائية الدولية فحسب، بل يمتد إلى شرعية الدور الأوروبي وعلاقاته مع دول المنطقة ومجتمعاتها.

وستشكّل الأشهر المقبلة، بما فيها اجتماعات جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي في كانون الأول/ديسمبر 2026، فرصة لتقييم مدى ترجمة الالتزامات السياسية إلى ضمانات وإجراءات عملية لحماية المحكمة واستقلالها.

فمصداقية العدالة الدولية لا تُقاس بحجم التأييد المعلن لمبادئها، بل بمدى الالتزام بتطبيق هذه المبادئ دون انتقائية، وحماية المؤسسات المكلفة بإنفاذها، حتى عندما تصبح المساءلة مكلفة سياسياً.