كيف تكشف حرب إيران اتساع الفجوة بين الخطاب الأوروبي والممارسة الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بقلم مارغو دو فوا

شهدت السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خلال العقد الأخير تحولًا تدريجيًا نحو مقاربة أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الأمنية، في ظل أزمات متلاحقة شملت الحرب السورية، وتصاعد ضغوط الهجرة، والحرب الروسية على أوكرانيا. وفي هذا السياق، جاءت الحرب الإيرانية عام 2026 لتُسرّع هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا، دافعةً الاتحاد الأوروبي إلى إعادة ترتيب أولوياته حول قضايا الاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة والممرات البحرية، ومنع الانتشار النووي.

ويثير هذا التحول تساؤلًا محوريًا حول طبيعة الدور الأوروبي: إلى أي مدى لا يزال الاتحاد الأوروبي فاعلًا يقوم على تعزيز القيم والمعايير، أم أنه يتجه بصورة متزايدة نحو أداء دور جيوسياسي وأمني أكثر تقليدية؟

من «القوة المعيارية» إلى الفاعل الأمني والاستراتيجي

لطالما قُدِّم الاتحاد الأوروبي بوصفه «قوة معيارية»، تسعى إلى التأثير في العلاقات الدولية من خلال ترسيخ قيم السلام، والحرية، وسيادة القانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحكم الرشيد. غير أن الحرب الإيرانية عام 2026 شكّلت لحظة فارقة في تآكل هذه الصورة، إذ وضعت الاتحاد الأوروبي أمام أزمة جيوسياسية معقدة تمس بصورة مباشرة أمن أوروبا، وأسواق الطاقة، والاستقرار الإقليمي.

وعلى خلاف أزمات سابقة، لم تبقِ الحرب ضمن نطاق جغرافي بعيد عن أوروبا، بل انعكست بصورة مباشرة على طرق الملاحة البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، ومخاوف امتداد التوترات إلى المجال الأوروبي الأوسع، بما جعل المصالح الأوروبية جزءًا مباشرًا من معادلات الصراع.

وفي ضوء ذلك، عزّز الاتحاد الأوروبي حضوره الأمني البحري في البحر الأحمر لحماية خطوط التجارة والطاقة، كما عمّق شراكاته في مجال الطاقة مع مصر ودول شرق المتوسط بهدف تنويع مصادر الغاز وتقليص الاعتماد الاستراتيجي. كذلك شهد التعاون مع دول مثل مصر وتونس في ملف الهجرة توسعًا ملحوظًا، مع تصاعد التركيز على إدارة الحدود والاستقرار الإقليمي مقارنةً باعتبارات الحوكمة والإصلاح السياسي.

وفي هذا الإطار، اتجهت السياسة الخارجية الأوروبية بصورة متسارعة نحو أولويات احتواء الأزمات، وتعزيز الأمن البحري، وتنويع مصادر الطاقة، وإدارة الهجرة، وتكثيف التنسيق مع الشركاء عبر الأطلسي، بوصفها استجابات عملية وملحّة تتقدم أحيانًا على الاعتبارات المعيارية التقليدية.

ولا يعكس هذا التحول مجرد تعديل في أدوات السياسة الأوروبية، بل يشير إلى تغير أعمق في طبيعة الدور الذي يؤديه الاتحاد الأوروبي؛ إذ بات يتصرف عمليًا كفاعل أمني واستراتيجي، حتى مع استمراره في توظيف خطاب قائم على القيم والمعايير. ومن هنا، تبدو الحرب الإيرانية عاملًا كاشفًا ومُسرّعًا لاتجاه قائم أصلًا يتمثل في تغليب اعتبارات الصمود الجيوسياسي على المشروطية المعيارية في العلاقات الخارجية الأوروبية.

توترات قائمة أعادت الحرب إبرازها

في الواقع، لا تُعد التوترات التي كشفتها الحرب الإيرانية جديدة بالكامل. فقد اتسم انخراط الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط منذ سنوات بمحاولة دائمة للموازنة بين الالتزامات المعيارية والاعتبارات الجيوسياسية، لا سيما في ما يتعلق بإسرائيل وترتيبات الأمن الإقليمي.

وعلى الرغم من تمسك الاتحاد الأوروبي بخطاب داعم للقانون الدولي، وحل الدولتين، والدبلوماسية متعددة الأطراف، فإن العديد من الانتقادات أشارت إلى الفجوة بين هذا الخطاب وبين محدودية الإجراءات السياسية المرتبطة بانتهاكات القانون الدولي على أرض الواقع. ومن ثم، فإن التصعيد الإقليمي الراهن يعيد إحياء النقاشات المتعلقة بمدى اتساق السياسة الخارجية الأوروبية وحدود «القوة المعيارية» في أوقات الأزمات الجيوسياسية الكبرى.

دروس من تطور العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومصر

لفهم الكيفية التي قد تعيد بها الحرب الإيرانية تشكيل السياسة الخارجية الأوروبية، يمكن النظر إلى تطور العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومصر خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2024، رفع الاتحاد الأوروبي مستوى شراكته مع مصر إلى «شراكة استراتيجية وشاملة»، مدعومة بحزمة مالية بلغت 7.4 مليار يورو، شملت دعم الاستقرار الاقتصادي، والتعاون في مجالات الطاقة والهجرة والأمن.

ورغم تقديم هذه الشراكة باعتبارها إطارًا شاملًا للتعاون، فإن مضمونها العملي يعكس بصورة متزايدة أولويات أوروبية مرتبطة بأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي أكثر من ارتباطها بإصلاحات الحوكمة.

ويتجلى ذلك بوضوح في تنامي أهمية مصر بالنسبة للاتحاد الأوروبي كشريك في ملفات الطاقة والجغرافيا السياسية في شرق المتوسط، خاصة في ظل المساعي الأوروبية لتنويع مصادر الغاز عقب الحرب في أوكرانيا.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الاتحاد الأوروبي التأكيد على القيم المشتركة وأهداف التنمية طويلة الأمد، فإن الوثائق الرسمية المتعلقة بالشراكة تمنح أولوية أكبر لمفاهيم الاستقرار، والصمود، وتعبئة الاستثمارات، مقارنةً بالمشروطية السياسية والإصلاحات الديمقراطية.

وتوضح الحالة المصرية كيف يمكن للصدمات الإقليمية أن تعيد تشكيل أولويات الاتحاد الأوروبي، بحيث تصبح اعتبارات أمن الطاقة، وضبط الهجرة، والحد من المخاطر الجيوسياسية، هي المحدد الرئيسي للسياسات الأوروبية. وبذلك، تعكس هذه الحالة اتجاهًا أوسع في المنطقة، باتت فيه أوروبا تمنح أولوية متزايدة للاستقرار وإدارة المخاطر إلى جانب القيم التقليدية، وأحيانًا على حسابها.

ما بعد ثنائية الأمن والقيم

مع ذلك، فإن اختزال التحول الأوروبي في كونه مجرد مفاضلة بين الأمن وحقوق الإنسان يظل تبسيطًا لتحول أكثر تعقيدًا. فما يزال الاتحاد الأوروبي يعتبر حقوق الإنسان، والديمقراطية، والمساواة، وعدم التمييز، مبادئ أساسية في سياسته الخارجية، ويربطها بصورة مباشرة بالسلام والاستقرار والأمن طويل الأمد.

ومن هذا المنطلق، يواصل الاتحاد الأوروبي تقديم نفسه بوصفه شريكًا موثوقًا ومدافعًا عن النظام الدولي القائم على القواعد، حتى في ظل بيئة جيوسياسية أكثر اضطرابًا وتفككًا.

ويمكن فهم هذا التمسك المستمر بالخطاب المعياري من خلال مفهوم «الأمن الوجودي»، الذي يشير إلى حاجة الفاعلين السياسيين إلى الحفاظ على هوية مستقرة ومتسقة مع مرور الوقت. فبالنسبة للاتحاد الأوروبي، لم يكن الترويج للقيم في الخارج مجرد أداة دبلوماسية، بل جزءًا من تعريفه لذاته كفاعل قائم على القواعد والمعايير.

ومع تصاعد الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالحرب الإيرانية، يفسر هذا المفهوم استمرار اللغة المعيارية في الخطاب الأوروبي، حتى مع انتقال الأولويات العملية بصورة متزايدة نحو الاستقرار، والصمود، وإدارة المخاطر الجيوسياسية.

دلالات سياساتية

  1. ينبغي للاتحاد الأوروبي تطوير أطر وشروط أكثر مرونة وتمايزًا، تأخذ بعين الاعتبار اختلاف السياقات الجيوسياسية وتعقيداتها.
  2. يتعين أن تتضمن الاتفاقيات الكبرى المتعلقة بالأمن والطاقة تقييم معلن لأثرها على حقوق الإنسان، بما يعزز الشفافية والمساءلة.
  3. ينبغي حماية دعم المجتمع المدني من ضغوط أولويات الاستقرار قصيرة المدى، نظرًا لأن الصمود طويل الأمد يرتبط بوجود مؤسسات مجتمعية مستقلة وقادرة على الاستمرار.
  4. من الضروري أن تتجه الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو مقاربات أمنية مشتركة تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للأمن، إلى جانب الأبعاد العسكرية والطاقة.